حارس الورق
“زهرة ابراهيم الخالدي”
كان يتقلب بين أكوام من الورق، هذا ما تطلبه عمله، أصبح يميز كل شيء فيها… يحاورها، يتخاصم معها وقد يعاقبها أحيانا، فهذه ورقة سمراء تصلح ان تكون كيسا لحمل الخبز، وتلك ورقة ناعمة تمنى لو يكتب عليها ابيات غزل… ولكن لمن؟!!! .. وهو الذي لا يفارق تلك الغرفة إلا لماما، وتلك آه… ورقته الملونة، كم كان جميل لو توافرت في طفولته لصنع أجمل فرارة يباهي بها أقرانه، حيث كانوا يلمزونه بأسوأ الأوصاف. يتلفت بحسرة حيث أكداس الورق الأخضر، تداعبه أحلام اليقظة، ماذا لو امتلك تلك العصا السحرية التي تلبي رغبات صاحبها بمجرد أن ينطقها!! كوني أوراقا مالية… فتكون… يتمادى في حلمه، فيتخذ عهدا بإحراق هذه الغرفة بكل محتوياتها، عدا الأوراق الناعمة، حالما يمتلك تلك الرزم الخضراء. استفاق من حلمه ما إن استعادت المروحة شقاوتها، وهي تدور بزمجرة لتعلن عن قدومها، بعد انقطاع للتيار الكهربائي، حرمهُ النوم. بدت سعيدة! تتراكض ريشها، فتطير ورقة بيضاء بحواف سوداء، تلك ورقته المفضلة، كانت صديقته التي يحاورها، يخط فيها خطوطا بشكل عشوائي، يقتل فيها وقته الفائض. المروحة تسرع أكثر فيتطاير الورق لتتشكل منهُ هيئة إنسان يجري نحو الباب محاولا فتحهُ.. ينط مسرعا باتجاهه، حاملا بيده ولاعة كانت قربه، ليهدده بها. حين اقترب منه أكثر، تذكر… إنها تلك الأوراق التي طالما سخر منها ، إذ يضعها عند عقد مجلس الحكم الذي يشكله أحيانا، في خانة الأكياس التي لا تستحق سوى أن يلف بها حب عباد الشمس، لتُرمى في النفايات غير مأسوف عليها، كان يركلها باحتقار كلما مر قربها ، ما زالت تلك الهيئة تصارعه بشراسة، لم يتوقع أنها بهذه القوة والجبروت ، كانت قوتها بحجم الازدراء الذي كانت تتلقاه منه، باغتها بضربة لتتناثر أجزاؤها في أرجاء الغرفة ، بقرف بصق عليها… قبل أن يحبس أنفاسه وهو ينظر إلى تلك الأوراق الناعمة التي تشكلت بهيئة إمرأة فاتنة، كانت تتمايل بغنج ، اقترب منها منبهرا.. احتضنها بشوق… بدلال حاولت أن تتخلص من قبضته، اغرته بالهروب معها.
في اليوم التالي كانت أمواج البشر تتدافع وهي تشير إلى السماء.. أحدهم كان يقسم أنه رأى بأم عينه حارس الورق ممتطيا طائرا من ورق أبيض يحلق عالياً في السماء.. لكن رفيقه الثمل أسكته ، قائلا ، أنه رأى حارس الورق وهو يطارد كائنا ورقيا أخضر، قبل أن يصرخ رفيقهم الثالث بلسانه المعوج وهو يقسم بأغلظ الايمان، أنه شاهد بأم عينه كائنا من ورق خشن كان يسحلُ حارس الورق في شوارع المدينة.
![]()

