“حين يتحدث الجمهور… الكرة العراقية تُولد من جديد”
هشام الدلفي
كرة القدم في العراق ليست مجرد لعبة رياضية تقام على المستطيل الأخضر، بل هي طقس اجتماعي، وحكاية شغف عميقة الجذور، وذاكرة وطنية حية تسكن وجدان الجمهور قبل أن تسكن نتائج الفرق. هي لحظة انتماء جماعي تُترجم في المدرجات قبل أن تُترجم في الأداء، ومن ملعب الشعب الذي عانق عشرات الآلاف لعقود طويلة إلى ملاعب المحافظات التي حفظت أنفاس المشجعين قبل أسماء اللاعبين، ظل الجمهور العراقي هو ملح الملاعب وروحها النابضة التي لا تموت مهما تعثرت النتائج أو تراجع المستوى.
ومع ذلك، فإن الموسم الماضي كان نقطة تحوّل كشفت أزمة لا يمكن تجاهلها. المدرجات التي اعتادت أن تكون مهرجاناً نابضاً بالحياة تحولت فجأة إلى مقاعد فارغة في مباريات الكلاسيكو بين الزوراء والجوية والشرطة والطلبة، وحتى في لقاءات الفرق الشمالية التي طالما عُرفت بجماهيرها الغفيرة. المشهد بدا غريباً على كرة القدم العراقية، لكنه كان انعكاساً طبيعياً لمستويات فنية متواضعة وتجربة حضور مرهقة لم تعد تليق بجمهور اعتاد أن يرى في المباراة أكثر من تسعين دقيقة؛ وأن يجد في الحضور احتفالاً بالهوية واللعب معاً.
هذا التراجع لا يُعالج بالتمنيات، بل بخطوات عملية تبدأ من إدارة الملاعب نفسها. إعلان وزارة الشباب والرياضة عن سحب إدارة الملاعب من الجهات التقليدية وإسنادها لشركات عالمية متخصصة ليس مجرد خبر عابر، بل فرصة لإعادة الاعتبار للبنية التحتية وجعل تجربة حضور المباريات تجربة تستحق العناء. لا يمكن أن نطالب الجمهور بالعودة فيما المدرجات منهكة والمرافق تفتقر إلى أبسط مقومات التنظيم والخدمات، ولا يمكن أن نبني دوريّاً محترفاً على أرضية لا تحترم الجمهور.
لكن في المقابل، فإن ملامح الموسم الحالي تبعث على الأمل. دوري نجوم العراق هذا العام لم يظهر بصورة تقليدية؛ ثمة تنظيم أفضل، وتقنيات حديثة دخلت المشهد، وهوية بصرية للأندية بدأت أخيراً تتشكل بما يعكس وعياً جديداً بأهمية التسويق والإعلام في بناء صورة احترافية. مشاركة لاعبين دوليين منحت البطولة قيمة فنية مضافة وأعادت شيئاً من الهيبة إلى المستطيل الأخضر، فيما بدت الملاعب أكثر جاهزية مقارنة بالمواسم السابقة، في مؤشر إلى أن خطوات الإصلاح بدأت تؤتي ثمارها.
الأهم من كل ذلك أن المدرجات بدأت تستعيد عافيتها. الإقبال الجماهيري الذي شوهد في ملاعب الغراف والكرمة والزوراء وغيرها من الملاعب هذا الموسم يؤكد أن الجمهور العراقي ما زال على العهد؛ شعب يتنفس كرة القدم ويعرف قيمتها ويمنحها من وقته وشغفه إذا وجد ما يستحق. إن عودة الجماهير ليست حدثاً عابراً، بل رسالة واضحة بأن الجمهور ليس مجرد متفرج بل شريك في اللعبة، وأنه كلمة السر في نجاح أي بطولة. فإذا أردنا حقاً بناء دوري يليق بتاريخ العراق الكروي، فعلينا أن نتعامل مع هذا الجمهور بما يستحقه من احترام واعتبار، ونمنحه تجربة حضور تليق بشغفه، لأن المدرجات العامرة ليست مجرد صورة جميلة بل ضمانة لنهضة الكرة العراقية كلها..
![]()

