حين تبهت الحقيقة بين ضجيج البعض… الصحافة العراقية إلى أين؟

هشام الدلفي

ما يدور منذ سنوات في الصحافة العراقية جعل البعض من الصحفيين يتلاشى شيئًا فشيئًا، ولأسباب عديدة في مقدمتها العوامل الاقتصادية التي لا يمكن لأحد إنكارها.

 فعندما يقابلك أحد ويسألك عمّا تعمل، وتقول إنك صحفي، يبتسم ساخرًا وكأن الصحافة أصبحت سُبّة، وهذه نتيجة طبيعية لما زرعته المحاباة والتقرب على حساب المهنية. لستُ أكثر وطنية من أحد، ولا أفضل من أحد، لكن من قضى أكثر من ثلاثةٍ وعشرين عامًا في هذا المجال يعرف تمامًا ما أقصده، ولماذا أكتب هذا التوضيح لـ البعض.

 فقد أصبح البعض من الصحفيين يتنقّلون بين الصحف والقنوات والوكالات، بل وحتى بين صفحات التواصل الاجتماعي، فمنهم من رتّب أموره مع قنواتٍ خارجية واختار الصمت تجاه قضايا الرياضة العراقية، ومنهم من بقي حبيس الصحافة الورقية ينادي بلا جدوى، بينما البعض الآخر يقفز من فضائية إلى أخرى باحثًا عن الواجهة أو الشهرة.

 وما يحاول البعض فعله من خلال فتح ملفاتٍ حكوميةٍ عجزت الجهات المختصة عن حلها، يصبّ في الغالب في خانة المصالح الشخصية، ونحن لسنا ضد طموحات أحد، لكن المزعج هو غياب الأصوات الحقيقية وقت الأحداث الرياضية الكبرى، إذ يغيب البعض ممن يسمّون أنفسهم “كبار القوم” عن المشهد تمامًا، خصوصًا أولئك الذين يعملون، سرًا أو علنًا، مع قنواتٍ أو جهاتٍ خارجية لها أجنداتها الخاصة.

لا أحد يشكك بنزاهة أحد، لكن المؤسف أن ضعف القرار الرياضي انعكس على الإعلام نفسه، فصار البعض من الإعلاميين يعاني من قلة الحيلة والتشتت.

نرى اليوم بعض اللاعبين السابقين الذين لم يشاركوا إلا في مباراة أو اثنتين، يتصدرون المشهد الإعلامي ويدّعون الخبرة، بينما البعض من خيرة الصحفيين العراقيين يفضل الانزواء، ليس لعدم الكفاءة، بل لأنهم يرفضون التورط في مشهدٍ باتت تحكمه المصالح لا القيم. لقد أصبحت القضايا الوطنية الكبرى تُختزل في تصفياتٍ كلاميةٍ عقيمة، وصارت الأصوات المهنية غائبة، في وقتٍ نحتاج فيه من يدافع عن حق العراق الرياضي. سيعترض البعض على ما أقول، لكن هذه هي الحقيقة كما هي، وإن وُجد العكس فليكن، غير أن الواقع يثبت أن البعض ممن كنا نعوّل عليهم أصبحوا مجرد أرشيفٍ رياضي، بينما يتصدر المشهد لاعبون وإعلاميون يتحدثون عن الصحافة دون أن يحملوا أدواتها. لقد ترنّحت الصحافة العراقية بين ضجيج البعض من الفضائيات، وبين أقلامٍ تحاول ولو بجهدٍ بسيط إيصال هموم الرياضة العراقية التي لا تُرضي صديقًا ولا عدوًا. انظروا إلى قضية تصريح اللاعب العراقي علي جاسم، وكيف توحد الإعلام في دولة مجاورة ضدّه، بينما غرق إعلامنا في الانقسام والتناحر، بل وصل الأمر إلى مشاجراتٍ بين لاعبين وإعلاميين على الهواء مباشرة! على البعض أن يدرك أن المقصود ليس شخصًا بعينه، بل حالة عامة أصابت الوسط الصحفي. القصور من البعض لا من الكل، لكن لا بد أن تبقى الصحافة العراقية مختلفة في نكهتها، نقية في هدفها، لا ضجيجًا بلا فائدة، ولا منبرًا للشو الإعلامي.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *