بين سحر الشاشات وسوء الملاعب.. أين الحقيقة؟

هشام الدلفي

منذ إطلاق مشروع “اللاليغا” في الملاعب العراقية، لمس المتابع نقلة نوعية في “هوية” الدوري البصرية؛ فالبث عالي الجودة والإخراج التلفزيوني المتطور قدما منتجاً يليق باسم العراق وتاريخه الكروي العريق. ولكن، وبعيداً عن بريق الشاشات وزوايا التصوير المبتكرة، ثمة أسئلة جوهرية تطرح نفسها، هل نحن أمام احتراف حقيقي يمس الجوهر، أم مجرد “تجميل” لواقع ما زال يئن تحت وطأة الارتجال؟

إن المتأمل في تفاصيل المشهد يدرك أن “أناقة المظهر” لا تزال تصطدم بـ “بواقع مؤلم”. فأولى العقبات تطل برأسها من “الأرضيات”؛ إذ من المفارقات المحزنة أن تمتلك البلاد صروحاً معمارية مثل ملعبي الزوراء والمدينة، بينما تعجز عقول الإدارة عن تقديم عشب طبيعي يليق بالكرة الحديثة. إن تباين جودة الملاعب بين العاصمة وإقليم كردستان أو البصرة، يثبت أن الأزمة ليست في شح الإمكانات، بل في غياب التخصص والمتابعة الفنية الدقيقة، وهو ما يقتل المتعة ويحد من التطور المهاري للاعبين.

وفي ملف الهيكلة التنظيمية، لا يزال الإصرار على استمرار دوري الـ 20 فريقاً يمثل عبئاً لوجستياً وفنياً يستنزف طاقات الأندية واللاعبين دون مردود ملموس. إن الجودة الكروية هي نتاج التكثيف لا التشتيت، ومن هنا يصبح “تقليص عدد الفرق” إلى 16 أو 18 نادياً ضرورة وطنية ملحة، تضمن رفع وتيرة التنافسية واستدامة المسابقة بعيداً عن الترهل الرقمي.

أما الاستثمار في المحترف الأجنبي، فلا بد أن يغادر مربع “سد الفراغ” إلى مربع “الإضافة النوعية”. إن تشريع معايير صارمة تفرض استقطاب لاعبين دوليين أو من دوريات ذات تصنيف متقدم هو السبيل الوحيد لرفع سقف التوقعات، وتحويل الدوري إلى بيئة جاذبة ومحفزة للموهبة المحلية.

وعند الحديث عن العدالة والشفافية، يبرز ملفان لا يقلان خطورة “لجنة التراخيص” و”تقنية الفيديو (VAR)”. فالاحتراف لا يستقيم مع أندية تعجز عن الإيفاء بالتزاماتها المالية تجاه لاعبيها؛ لذا فإن الحزم في تطبيق معايير الترخيص هو “الفلتر” الحقيقي الذي سيقصي الهواة ويُبقي المحترفين. وبالتوازي، فإن تطوير منظومة التحكيم والـ VAR يجب أن يتجاوز مرحلة التبرير إلى مرحلة المحاسبة الصارمة، صوناً لحقوق الأندية وهيبة المسابقة.

ختاماً، إن احترام “أجندة الفيفا” والتوقف عن استنزاف اللاعبين خارج الأيام الدولية هو الاختبار الحقيقي لمفهوم الاحتراف. إن تحويل دوري نجوم العراق إلى مشروع كروي متكامل يتطلب جرأة في “المعالجة الجذرية” لا الاكتفاء بـ “الرتوش التجميلية”. آن الأوان أن يتطابق المضمون مع الشكل، لتكون كرتنا واجهة حقيقية للنهضة، لا مجرد صورة جميلة تخفي خلفها خللاً هيكلياً قديماً.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *