من حزن الغياب إلى مجد المونديال
قصة رونالدو.. من الطرد إلى المجد
سامان بريفكاني
في اللحظات التي كان يُنتظر فيها أن تكون ضربة موجعة لمسيرة كريستيانو رونالدو الدولية مع اقتراب مونديال 2026، فاجأ الفيفا الجميع بقرار مثير للجدل، حيث اكتفى بإيقافه مباراة واحدة فقط بعد طرده في مواجهة البرتغال وإيرلندا، رغم أن طبيعة المخالفة عادةً تستوجب إيقافًا يصل إلى ثلاث مباريات. ورغم فرحة الجماهير البرتغالية بتمكّن قائدها من المشاركة في البطولة، اشتعل نقاش واسع حول خلفيات القرار، وحدود العدالة في كرة القدم، ومدى تأثير السياسة والاعتبارات التسويقية في مثل هذه القرارات.
بدأت القصة حين وجه رونالدو مرفقه إلى ظهر المدافع الأيرلندي دارا أوشي. وبحسب اللوائح، فإن مثل هذا التصرف يعاقب عليه عادة بإيقاف لا يقل عن ثلاث مباريات، ما كان سيمنع النجم البرتغالي من المشاركة في افتتاح المونديال. لكن القرار المفاجئ بتخفيف العقوبة إلى مباراة واحدة فقط، مع تعليق تنفيذ بقية الإيقاف ضمن “قرار المراقبة”، ووضع اللاعب تحت نظام رقابي صارم، يضمن تفعيل العقوبة إذا تكرر أي سلوك مشابه.
وقد غاب كريستيانو عن مباراة البرتغال أمام أرمينيا، مما سلط الضوء على أهميته للفريق. ومع تأكيد مشاركته في جميع مباريات المنتخب بكأس العالم، يستعد الدون لقيادة بلاده بكل خبرته ومهارته نحو البطولة.
جهات قريبة من الفيفا بررت القرار رسميًا بسجل رونالدو النظيف طوال مسيرته الدولية وكون هذه أول بطاقة حمراء يحصل عليها، معتبرة أن العقوبة المعلقة تحافظ على معنى الانضباط، وفي الوقت نفسه تتيح للاعب المشاركة في البطولة دون الإخلال باللوائح. ومع ذلك، اعتبر كثير من المحللين أن هذا التفسير غير كافٍ، وأن الفيفا تعامل بمرونة لم تُمنح لغيره من اللاعبين في مواقف مشابهة، ما يفتح الباب للتساؤل عن مدى المساواة في تطبيق القوانين.
زاد الجدل بعد تقارير إعلامية أكدت أن رونالدو حضر قبل أيام مأدبة رسمية في البيت الأبيض بدعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ورغم عدم وجود دليل رسمي يربط الاجتماع مباشرة بالقرار، فإن التوقيت وطبيعة العلاقات، بالإضافة إلى السياق التسويقي الكبير المرتبط بمونديال يقام على الأراضي الأميركية، غذت التكهنات بأن للبعد السياسي أو التجاري دورًا في تخفيف العقوبة. فوجود نجم بحجم رونالدو في بطولة تقام في سوق ضخم مثل الولايات المتحدة يمثل إضافة قيّمة من حيث نسب المشاهدة وبيع التذاكر والرعاية الإعلامية، لكن هذه الصورة تطرح أيضًا إشكالية واضحة، كيف يمكن إقناع جماهير كرة القدم بأن اللوائح تطبّق على الجميع بنفس الصرامة؟ وهل يحق للاعب كبير الحصول على معاملة استثنائية بحجة القيمة الإعلامية والتجارية؟ هذا التساؤل أعاد النقاش القديم حول قدرة الفيفا على الفصل بين العدالة الرياضية والمصالح الاقتصادية، خصوصًا وأن قراراتها غالبًا ما تُقرأ من زاوية تأثيرها على صورة البطولة وقيمتها السوقية.
من الناحية الرياضية، يمنح القرار رونالدو فرصة قد تكون الأخيرة في مسيرته لخوض موندياله السادس، وهو إنجاز تاريخي يعزز الأسطورة التي بناها على مدى عقدين في الملاعب، ويمنح البرتغال دفعة معنوية ورياضية كبيرة. غير أن هذه الفرصة تأتي مع ثمن واضح، إذ إن أي تصرف غير منضبط خلال “سنة المراقبة” قد يؤدي إلى تفعيل العقوبة كاملة وربما إضافة عقوبات أخرى، ما يضع اللاعب تحت ضغط انضباطي غير مسبوق.
في المحصلة، لم يكن قرار الفيفا مجرد حكم تأديبي، بل فصل جديد من العلاقة المعقدة بين كرة القدم والسلطة والنفوذ. وبينما يُستعد رونالدو لخوض ما قد يكون آخر عروضه الكبرى على المسرح العالمي، يظل سؤال العدالة مطروحًا: هل كان القرار تكريمًا لتاريخ لاعب استثنائي، أم خطوة محسوبة لضمان مشاركة نجم عالمي يخدم مصالح البطولة الاقتصادية والإعلامية؟ مهما كانت الإجابة، فإن بصمة هذا القرار ستظل حاضرة في النقاشات طويلاً بعد صافرة انطلاق المونديال.
![]()

