متى نستثمر في طاقاتنا ؟
هشام الدلفي
كرة القدم من دون جمهور وإعلام ليست سوى لعبة عادية، تمارس كما تُمارس بقية الألعاب، بلا طعم ولا رائحة. غير أن المفارقة المؤلمة أن العراق يُعد من الدول القليلة التي تمتلك هاتين القوتين معًا جمهورًا استثنائيًا وإعلامًا حاضرًا ومؤثرًا، لكنه مع الأسف لا يحسن استثمارهما.
لا يختلف اثنان على أن الجمهور العراقي يُعد من الأفضل على مستوى القارة الآسيوية، من حيث الشغف والحضور والتأثير، وكذلك الإعلام الرياضي العراقي الذي يتمتع بهامش حرية لا يتوافر في كثير من الدول العربية، رغم وجود بعض المنصات التي تنزع أحيانًا نحو الإثارة وصناعة الأزمات. ومع ذلك، يبقى المشهد العام إيجابيًا، وهو ما يفسر تهافت اللاعبين والمدربين العرب، وخصوصًا من الخليج، على العمل في العراق. فالجمهور والإعلام هنا يمنحان اللاعب والمدرب حضورًا لم ولن يحصلا عليه في بلدانهم، وهذه هي القيمة الحقيقية لكرة القدم الحديثة.
لكن ما يحدث اليوم هو عملية عكسية خطيرة. استقطاب المواهب العراقية إلى الدوريات الأقوى في آسيا، مثل السعودي والإماراتي، لا يتم بدافع فني فقط، بل لأنه استثمار ذكي في الجمهور العراقي ذاته. تلك الدوريات التي تُصرف عليها مليارات الدولارات تدرك جيدًا أن اللاعب العراقي لا يجلب مهاراته فقط، بل يجلب معه ملايين المتابعين، ويحول أنظار الإعلام والجمهور إلى مسابقاتها.
الخاسر الأكبر في هذه المعادلة هو نحن. فلا استثمار حقيقي في قوة إعلامنا، ولا احترام لشغف جمهورنا الملاعب تفتقر إلى أبسط الخدمات، والتنظيم غائب، والجمهور الذي يعشق ناديه لا يجد ما يشجعه على الحضور، على عكس دول أخرى تقدم الغالي والنفيس لضمان امتلاء مدرجاتها.
انتقال لاعبينا إلى الخارج قد يبدو للبعض مكسبًا للكرة العراقية، لكنه في الواقع مكسب صريح لدوري روشن والدوريات الخليجية. ما حدث مع علي جاسم، ويتكرر اليوم مع حيدر عبد الكريم، دليل واضح ملايين العراقيين سيتابعون تلك الدوريات، وسترتفع أعداد المتابعين لأندية مثل النصر إلى أرقام قياسية، بلا مجاملة ولا مبالغة، بينما يبقى دورينا يدور في المكان ذاته.
آن الأوان أن نتعلم من أخطاء الماضي الاحتفاظ بنجوم العراق ليس ترفًا، بل ضرورة استراتيجية. فإما أن نستثمر طاقتنا الشبابية داخل منظومة كروية محترفة، أو نواصل إهداءها للآخرين، لنظل نحن غارقين في دوامة المشاكل، فيما يحصد غيرنا ثمار جمهورنا وإعلامنا وموهبتنا.
![]()

